مُذْ وعيتُ على هامشية دور الفن وغياب إسقاطاته في ثنايا حشو ممل ، وحوارات متخمة بالكلام المجاني ، وثمة حنين لإرثٍ قديم لا تستهلكه المَشَاهِد رغم تزاحمها ، الكثير من الوجوه تمر سريعاً لكن العدسة تقف عنده رُبَّما لأنه أحد الذين تجاوزوا الصورة النمطية للفنان ، ذلك الذي لا يقاوم الإغراء المادي فيقدم تنازلات خلاصتها عملٌ مترهل ، يُفهرسُ التاريخ حضوره المسرحي مبتدئاً
بِغربة يقسمها بينه وبين كل باحثٍ عن هوية للذات ، خاتِماً بصانع المطر حيثُ
تخطى حدود اللهجات ، لِيستقرَ في ذاكرة المواطن العربي كوجهٍ لا يغيب ليس
على الصعيد الفني فحسب ، فالفن كما عبّر عنه في أحد حواراته :
" ليس شرطياً يجبرك على تصرف ، أو يمنعك من تصرف ، الفن يزرعُ فكرة ،
من الممكن أن نطلق عليه مرآة ، لكن يجب أيضاً أن يكونَ في داخله منارة للمستقبل ، لأننا كلنا نرى ونشاهد ، أما الفن فمهمته أنْ يتقدمَ على مسألة
المرآة ."
إنَّه دريد محمد اللحام ، الذي عمل محاضراً في جامعة دمشق ليلتقي طريقه بالفن صدفةً ، ما لبثت أنْ شكّلت امتداداً طويلاً من عمره ، تقمص دور المواطن البسيط في شخصية " غوار الطوشي " والذي كان لقباً لأحد أصدقائه ، أحبه كثيراً الجمهور من خلالها فقد عكستْ حجم التساؤلات عن حقوق المواطنة بعد
تغييبها وإبراز واجباتها فقط ،حينها كان قد شكّل مع الأديب محمد الماغوط وفريق عمل مسرحية " ضيعة تشرين " حوارات ملغمة ، تسخر من الوضع العربي المهين ، ليس بطريقة السياسي الذي يُقدم باقة حلولٍ مزركشة بشريط
الوعود الإنتخابية ، ولا أيضاً على نهج فيلسوف يبعثر الأسئلة يطلبُ من الناس إيماناً بما يقول وهو ذاته يفتقدُ لليقين ، إنَّما جاءت بلهجة رجل الشارع الواعي
والتي لازالتْ النخب تعمل على " تسذيجها " ، وإنْ حاولنا وصف تقمص الفنان دريد لحام لهذه الشخصية ، فإننا نجدها تتوافق تماماً مع تعريف الأداء التمثيلي الذي صاغه الراحل " زكي طليمات " في عدة جمل جاء فيها :
" ذاك هو توجيه القول والحركة والإيماءة إلى إحياء شخصية الدور الذي يؤديه الممثل ، وفقاً لما رسمته المسرحية ، وسجلته من معالم خلقه ، ومن ملامح خِلقته ، وليس
كما يريده الممثل طبقاً لمزاجه الخاص ".
لاشك بأن فناناً يدركُ عمله واصفاً إياه " بالمهمة التي تزرع في ذهنك أفكاراً تتخزن ، لتنفجر في جيلٍ مَا " ، لنْ ينظرَ إلى الكأس هل هو مملوء أو فارغ ، بل يتعداه إلى السطح الذي يقف عليه الكأس ما شكله ؟
وإلى العقل الذي سيفرّغ فيه محتوى الكأس ، ما حجمه ؟
وهذا يقودنا بالضرورة إلى استيعاب منهجية هذه الأعمال المتكاملة مضموناً رغم
قلة الإمكانيات حينها ، ورداءة الإخراج .
:
:
كلما عدنا إلى " غوار الطوشي " ، اتسعت تصوراتنا حول جدوى الفن ورسالته ، ذلك الوتر الذي يعزف عليه المفلسون ، ليغطوا ضحالة مُنتجهم ، ونعمد نحن إلى تسويقه بالإشارة إليه ، بينما ما يستحق تكريسه شعبياً يندثر بفعل ذاكرة مهترئة ، وكلما ارتقبنا عمل حماسي ارتدتْ إلينا الخيبة ، وعاودنا البحث عنْ
" غوار " ورفاقه .
أضف تعليقك