في الثالثة و الستون من العام الميلادي ، حدَثَ انقلاب عسكري في مدينة النجف .. أُغلِقَت على حَدِها أبوابُ الفن .
فعاشَ على إثرها العراقيُ حسن استراحةَ المُحاربين .. و كُتِبَ على بلد الشِقاقِ أن تنَدَمِلَ هواياتِ ساكنيها ،
و ما يُميزُ العراقيين قطعًا ، أن لا افتضاضَ لهَوِّياتِهِم ..
الخطاط حسن المسعود ابن الخامسة و الستون ، في خطوطه و ألوانه يبحثُ عن تأمُلاتِ الطفولة ..
آملًا أن يجِدَ في الصورِ البطيئةِ الوديعة ، ما يمزِجُ بها صورَ عصرِنَا السريع القلق ..
و في خطوطه بحثٌ لا منتهي ، يبدو البياض من خلفِهَا أفقٌ ممتد ، كمشهدٍ صحراوي مُطلق .. يحتملُ الحديث الكثير و يُشابه النجف في أبعادٍ كثيرة ..
إن الهدوء المُتغلغل في شوارِع نجف الخمسينية الضيقة ، قاعدةٌ أولى بنى بها المسعود فنه ! حينما كانت مِتحفًا حًيا و مسرحًا متواصلًا يحوم به صغيرًا .. يواري الدكاكين و أصحابَ المحال .. يصنعون عند أبوابهم الفن و يبيعونه .
و حين تغرقُ النجفُ " بالنور الأسود " – واصفًا النجم يكسو سقفَ السماء – يستشعِرُ حسن ، مدى ثراء البيت النجفي الفقير بالشعر و الفن .
قد لن نستغرِبَ تحدُثُ المسعود عن الموطِن الأول بصيغة الحاضر في إحدى المُقابلات .. انه ليجد الفراغَ امتلاءًا من نوعٍ آخر
بعد إنهاء المرحلة الثانوية – يبدأ حسن المسعود الدخول فعليًا لمعتركِ الفن التشكيلي .. و يتوجه نحو سُلَمِ الدراساتِ العُليا في ذاتِ المجال ..
ليواجه شبحَ الجنسية العراقية – كمشكلة واجهت القُطر الأكبر من سكان جنوبِ العراق ..
ليختار الارتحال خارج الحدود إلى فرنسا ، و بوزار تحديدًا .
تلكَ " البوزار " أعلى المؤسسات الفنية كفاءة ، يطوي منها خمس سنوات .. و يُصافحِ من خلالِها شهادة الدبلوم العالي
و رُغمَ مناشدةِ المسعود لغير المألوفِ من الإبداعات ، إلا أنه تفاجأ بقول أحد طُلاب المدرسة " البوزارية " عن العالم العربي المُتأخر قولًا قد لن نضعه بالحُسبان و لن نأخذ بصحة فرضياته بتلك الإيجابية ..
قيِّلَ لحسن : " أنتَ جئتَ تبحثُ عن فنٍ تركناه نحنُ و ندينه الآن ، لقد اكتشفنا أن هذا الفن لم يعُد نافعًا ،
نحنُ فقدنا الكثير بسرعتِنا الصناعية .. و أنتُم سكان العالم القديم المُتباطئون .. لا زِلتُم في مجالِ الفن تملكُونَ أشياءَ كثيرة " 
غير أن مسعود لم يكُن من مُناصري البقاء على الفنِ الأول .. إن تجارِبه الباريسية بعد التاسعة و الستون ميلاديًا .. أضحت من خطوطه اختلافًا ما شابه العهدَ الأول .
الغُربة و التمازُج مع المجتمع الأوروبي .. و صُدف أو فرضية اختيار الطرُق ، كلها ساهمت بتطويع المُستجدات و احتياج التوائُمِ معها .
في العام أربع و سبعون ميلاديًا ، حصَل المسعود على الجنسية الفرنسية ، و كان قد بدأ في دراسة عميقة لخطِّ الكُتب ..
و من ضمن ما أَنجَزَ " رسالة الخط العربي " لابن مقلة ..
و في الثمانين ميلاديًا ، يُصدر له كتاب عن الخط العربي و هو خلاصة بحوث لعدة سنوات ..
و بعدها بستة أعوام يُنشر له كتاب آخر بمسمى : حسن المسعود الخطاط .. حيث يضُم أكثر من مائتي خط من أعماله .
و لأن المسعود يهوى الغير مألوف ، فنجده قد واكَبَ تجربةً لم يكُن لغيره من الخطاطين السبقَ فيها ..
إيمانًا منه بأن الخط وليدُ الصورة .. و ابنُ المُوسيقى الأول ، نجده يرسم النصوص الأدبية لعنترة من كتاب " "شاعر الصحراء " و كتاب آخر لجبران خليل جبران
و يسمح لنفسه بصنع تصورات و خيالات من ذات النصوص فيعيد رسمها بما شاء ،
يدفعه التكوين الخطي نحو القدرات التعبيرية .. ليخلُقَ خطًا مُشابهًا للكلمة إلى حد كبير.
في العام سبعة و تسعين يُنشر للخطاط الكاتب ، كتابٌ اسمه " خطوط الأرض " يحوي على 65 كلمة لها علاقة بالأرض و الطبيعة ، و تُرسم بما يوائِمها و يوحي ذات معناها !
إن التجربة الغير تقليدية هُنا ، تفرِض كيانها بأعلى ما يكونُ عليه الفرض ..
لم يقف المسعود عند هذا الحد ، فقد غنى الحرفَ العربي بتجربة استمرت منذُ الثانية و السبعون ميلاديًا ..
يستمِع الأغنية / اللحن .. يُشارِكُ المسرحَ فرقةً غنائية .. و يخطُ أمام الجمهورِ على جهاز يعكسُ الخط مباشرة على شاشة كما السينما .. راقصًا و الحرفَ العربي أغنيةٍ فرنسية ..
فإما أن يشحن الجمهورُ طاقاته سلبًا أو إيجابًا .. في تنظيم جمالي ارتجالي مُتصاعد ، و تشكيل التكوينات الخطية السريعة غير المُعقدة .. فتارة يطول امتداد الحرف و تارة يصغر بحسب ما تقوده الموسيقى إليه .. فيصنع لذاته بيئة لخلقِ الحروفِ الجديدة ،
و الارتباط بالأحاسيس العميقة للجمهور حتى نهاية الحفل ..
" التعبيرات الفنية كلها تنحدر من منبع واحد ، وتتضامن الواحدة مع الأخرى في حالات الضيق والحاجة
إذا كان الشعر والخط يستخدمان الكلمات فهما كشجرتين يعطيان فاكهة مختلفة ، ولا يمكن أن نعوض إحداهما بالأخرى . بينما يمكن أن نمزج الفواكه المختلفة فيما بينها "
إن مسعود ، يستنطِقُ الفنَ استنطاقًا ،
لخطِ الغُربة لديه وصفٌ و كيفية : - بتصرف - : " إن آلة الخط تكون عريضة جدًا إنما على ورقة صغيرة ، حيثُ لا مكان لكتابةِ مُجمل الحروف ، فيتصاعدُ حرفٌ على آخر .. و تتداخلُ الكلمات فلا يكونُ بوسعِ القارئ القراءة .. !
هي تلك الغُربة المرفوضة لا يمكِنُ فهمها أبدًا.. " ،
قد يكون الحديث الأخير مُشابه لمشروع الغُربة كما أحببت تسميته 
" مشروعُ اللبوة الجريحة "
أرضعتني العراق بثدي هواها وغزتني بطرفها بغداد
في العام واحد و تسعين يُصدر له كتابًا ثالثًا يحوي على 130 عملًا فنيًا
و في 2004 ، يصدُر له كتاب عن جزئين .. يصور فيه حياته الشخصية و الحرب ضد العراق و معاناه أهله فيها قُرابة الأربعين عام ..
و لا زالَ الخطاط ابن الخامسة و الستون ، يوارِي الإبداع .. و يخلفه لأحفاده و أبناءه .. و يمتعنا مشاهدته ، رسمه ، استماعه و تصوره ..
صورة – 3
حفيدة المسعود – وارِثهُ الصنعة !
أضف تعليقك